روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
104
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
صرف مشاهدة الحق - جلّ وعزّ - ولولا ذلك للعارفين والموحدين والمحبين والصديقين في جميع الساعات عند حركات أنفاسهم في حقيقة المراقبات لطلب مشاهدة الذات والصفات ، لماتوا جميعا في لحظة واحدة ، كما حكى عن أحمد بن حنبل - رضي اللّه عنه - إنّه قال : « إنّ للّه عبادا جعل من ذاته إلى قلوبهم إلى ذاته طريقا ، فهو ينظر إلى قلوبهم وهم ينظرون بعين قلوبهم إليه ، فلو أنهم حجبوا ساعة لماتوا » . وأما غيب خاصّ الخاصّ فهو رؤية وجوده بنعت تحصيل المحبة والشوق والعشق ، وأما غيب غيب الخاصّ ، فهو بعد إدراك المشاهدة البلوغ إلى قرب القرب . وسرّ ذلك الغيب ، دنّو الدنوّ ، وبذلك أشار الحق في شأن حبيبه - عليه السلام - قال : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النجم : 8 - 9 ] . القوس الأولى قرب القرب بنعت الفناء ، والقوس الأخرى دنوّ الدنوّ بنعت البقاء . وسرّ ذلك وجدان السكر بعد ادراك الانبساط ، وعلم ذلك السرّ بأخلاق الحق ، وخير ذلك التخلق بخلقه ، وهذا مقام سرّ الاتحاد ، وهناك خرسة العارف في دعوى الأنانيّة ذكرت غيب الخاصّ وأسراره وبطانته . وأما غيب غيب خاصّ الخاص ، فهو معرفة خصائص صفات الحق ، وذلك مباشرة التجلي جميع الصفات بالروح الناطقة وعرفان صرف الصفات بلطائف الحق - جلّ وعلا - . ولذلك الغيب غيب ، وهو رؤية حقيقة الذات بعد معرفة الصفات بنعت النكرة في تحيّر التحيّر . ولذلك الغيب غيب ، وهو معرفة وحدانيّة القدم بنعت العجز عن معرفة الكنه ، ولذلك الغيب سرّ ، وهو حقيقة الأوّليّة ، قال اللّه تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] . ولذلك السرّ سرّ ، وهو حقيقة الآخريّة ، قال اللّه تعالى : « هو الآخر » . ولذلك السرّ علم ، وهو علم ظاهر الحقيقة ، قال اللّه تعالى : « هو الظاهر » . ولذلك العلم غيب ، وهو باطن سرّ حقيقة الحقيقة ، قال اللّه تعالى : « هو الباطن » . وخبر ذلك الغيب خاصّ ، للّه تعالى ليس في الخلق إليه سبيل ، قال اللّه تعالى : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * [ الحديد : 3 ] . وقال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ [ الأنعام : 59 ] . لكن لأهل المكاشفة في هذا مشاهدة بلا علم ومشاهدة بعلم ، ومشاهدة في تحيّر ، وليس وراء ذلك عبارة ولا إشارة لأنّ اللّه تعالى استأثر لنفسه من علم غيبه حقائق أسرار القدميّة فأخفاها عن الخليقة بأمرها ظاهرا وباطنا وعلما وخبرا وسرّا